الأربعاء، 1 أغسطس، 2012

كم جزءً حفظت؟


أبارك لكم هذه الايام المباركة لشهر رمضان المبارك سائلا الله تعالى ان يتقبل طاعاتكم وعباداتكم وأعود اليكم بعد فترة انقطاع بسبب الاجازة السنوية وضغوط العمل اليومية.  

تماشيا مع هذه الاجواء المباركة سأغير اسلوبي قليلا في هذا المقال حيث تدور في رأسي منذ سنوات فكرة أن اقوم بعمل دراسة حول الاسلام ونظم الجودة، فالله تعالى قال في كتابه الكريم (اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) فاذا كانت نظم الجودة مبنية على حقائق عقلية ومنطقية حول اتقان العمل وتحسينه بشكل مستمر وتقديم قيمة مضافة للمتعاملين فاحسب ان هذه الحقائق لم تكن غائبة عن الاسلام او عن نبيه (عليه الصلاة والسلام).

فقوله المشهور (ص) "أن الله يحب اذا عمل احدكم عملا ان يتقنه" يتماشى مع تعريف الجودة بتجاوز توقعات المتعاملين حيث ان الاتقان هو اداء العمل دون خلل أو تأخير مما يؤدي الى تجاوز تطلعات المتعاملين.

ويتوافق معه قول الامام علي بن أبي طالب (ع): "من تساوى يوماه فهو مغبون ومن كان امسه خيرا من يومه فهو ملعون ومن لم يكن في زيادة فهو في نقيصه ومن كان في نقيصه فالموت خير له من الحياة" والذي يتماشى مع النظم الحديثة للجودة والتي تعنى بالتحسين المستمر.

كذلك نلاحظ أن الاسلام في توجيهاته يتماشى مع مبدأ نظم الجودة المهم في التركيز على الجودة لا الكم (Quality not Quantity) فمثلا يؤثر عن النبي (ص) انه قام الليل كله بآية واحدة ويتماشى معه وقوله (ص):"اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة ماء" فالمدار في تعاليم الاسلام هي الجودة وليس الكم فرب عبادة قليلة وفاعلة تعطي نتائج خير من عبادة كثيرة وغير فاعلة فشق تمرة يدفعها المسلم بصدق وخلاص نية قد تكون عند الله افضل من جبال.

وهذا المبدأ اصبح للأسف غائب تماما عن واقعنا كمسلمين في هذا الشهر الكريم فجل التركيز عندنا على الكم لا الكيف فمثلا (اذا حفظت ثلاثة اجزاء من القران بشتريلك هدية) هذه الجملة يستعملها معظم الاباء لكي يحفزوا ابناءهم على قراءة وحفظ القران الكريم في هذا الشهر ولكن كم واحد منا يقول لابنه (اذا حفظت ربع جزء تجويدا وتفسيرا بشتريلك هدية)؟ فكم من حافظ للقران الكريم ويختمه مرتين وثلاثة في هذا الشهر ولكنه يغتاب هذا ويأكل مال ذاك ويدخل في المعاملات الربوية فأين تطبيق ما يحفظه والامر كذلك في عمرة رمضان الذي اعرف احد الاشخاص لم يتركها منذ 15 عاما ولكن اخلاقه.....الله يهديه.

هذا من ناحية دينية واجتماعية والامر نفسه يمتد الى مؤسساتنا فمثلا كل مؤشرات الاداء التي تقاس بشكل دوري تركز على الكم (عدد) لا الجودة (عدد المواطنين، عدد الساعات التدريبية، عدد المعاملات المنجزة، عدد المبادرات المجتمعية، عدد المبادرات المنجزة....) أما تلك التي تركز على الجودة مثل (نسبة الخطأ في المعاملات المنجزة، العائد على الاستثمار، الانتاجية....) فنادرا ما يتم قياسها.

 والكثير من المؤسسات الحكومية تعتقد ان كثرة الشهادات والجوائز تؤثر على فرق التقييم للجوائز الحكومية فتضع في اولوياتها ان يخرج السيد المدير في الصحف كل فترة وهو يتلقى جائزة او يستلم شهادة حتى ولو لم يكن هناك منافسون اصلا او كانت طريقة الترشيح والتقييم (مصخرة). ولكن عند التقييم تتفاجأ ان هذه الجوائز والشهادات لا تؤخذ في الاعتبار وانها رغم حصولها على كم منها (طلعت في حفل التوزيع صفر)
خلاصة الكلام ان ديننا الاسلامي الحنيف منذ ما يزيد عن 1400 عام قد وضع لنا جميع السبل اتي تكفل تقدم الامة الاسلامية وريادتها على جميع الامم الاخرى (كنتم خير أمة اخرجت للناس) ومن ضمنها انظمة الجودة والتميز ولكن ابتعاد المسلمين عن الاخذ بهذه التعاليم هو ما اوصل هذه الامة الى ما هي عليه من جهل وتخلف وأن التركيز على عامل الجودة لا الكم هو حجر الزاوية  في تطوير حياتنا الدينية والاجتماعية والادارية فمتى نقول لأبنائنا (كم جزء فهمت؟) بدل (كم جزء حفظت؟).  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق