الخميس، 21 يونيو، 2012

القطاع الخاص والمسؤولية المجتمعية


لفت نظري خبر صغير نشر في الصحف عن قيام الهيئة الاتحادية للموارد البشرية بعقد ورشة عمل حول المسؤولية المجتمعية لمنتسبي الدورة الثانية لفئة قيادات المستقبل حيث تم وضع الاطار العام للمشاريع المجتمعية التي سيقوم بها المشاركون.

هذه المبادرة تعد وسيلة ممتازة لتأهيل قادة المستقبل في مؤسساتنا الحكومية للمسؤولية المجتمعية مع ملاحظة أن مؤسساتنا الحكومية موجودة أصلا لخدمة المجتمع ولكن ماذا عن القطاع الخاص بالدولة مثل المصارف والفنادق وشركات التأمين وشركات البناء والمصانع ومتاجر التجزئة وغيرها؟ هل غياب قانون يفرض عليها مثل هذه المسؤولية يعفيها من أية تبعات تجاه المجتمع؟ ماذا عن الارباح السنوية التي تجنيها مثل هذه الشركات الا يجب ان يذهب جزء منها لخدمة المجتمع الذي نتجت منه هذه الارباح؟ لماذا تأخذ الحكومة على عاتقها جميع المشاريع التنموية ولا تصر على اشراك القطاع الخاص بها؟ لماذا ل تقوم شركات القطاع الخاص برعاية مدرسة او مركز ثقافي او مستوصف ام ان هذا ضد مبادئ السوق المفتوح؟

ولكي أزيد من الشعر بيت، فانه يمكن لي ان اؤكد من خلال متابعتي وعملي ضمن فرق التقييم لبعض جوائز التميز الموجهة للقطاع الخاص في الدولة بشكل خاص والمنطقة بشكل عام أن أقل الدرجات التي تحصل عليها المؤسسات المشاركة انما تكون في المعيار 8 من نموذج التميز الاوروبي والذي يعني بنتائج المجتمع ولا تتجاوز 10-25 من 100 الا فيما ندر.

بشكل عام فإن ثقافة العمل الاجتماعي لدى مؤسسات القطاع الخاص في الدولة ضعيفة وترتكز بشكل اساسي على بعض الانشطة الغير منتظمة والبسيطة مثل التبرع بالدم وإعادة تدوير الاوراق واطفاء الانوار عند مغادرة المكاتب وضبط درجة التبريد وغيرها من الانشطة البسيطة التي لا تنبع من خطة واضحة ومحددة للمسؤولية المجتمعية وتهدف الى البعد الاعلامي والتسويقي لا غير، أو ترتكز على توفير دعم مالي وخلاص مثل رعاية بطولة رياضية أو فريق كرة ويجب أن يكون مشهور ومن اندية الدرجة الممتازة وله قاعدة جماهرية كبيرة ومجلس ادارة موقر ومحترم بهدف تحقيق العائد التسويقي والواسطوي من هذه الرعاية، فهل سمعتم عن راع لنادي التعاون مثلا؟

اسمحوا لي هنا أن اضرب لكم بعض الامثلة على المسؤولية المجتمعية الحقيقية كما تعرفت عليها اثناء زيارات المقارنة المعيارية للمؤسسات الاوروبية المتميزة التي كنا نجريها ضمن نشاطات المجموعة الفرعية للمقارنة المعيارية بمجموعة دبي للجودة والتي كنت أترأسها.

فمثلا وضعت احدى الشركات التي قمنا بزيارتها خطة لإعادة تأهيل السجناء في المدينة ومحاولة مدهم بسبل الحياة الكريمة تجنبا لعودتهم الى عالم الجريمة بعد قضاء مدة محكوميتهم، فعمدت الى التعاون مع سلطات سجن المدينة لتدريبهم في ادارات المؤسسة المختلفة ضمن مدة محكوميتهم، وبعد قضاء المدة يتم تعيينهم في الشركة، وقد شاهدت بعيني عربة السجن تأتي صباحا وتقوم بإنزال مجموعة من السجناء للعمل في المؤسسة حيث يعملون جنبا الى جنب مع الموظفين. ولقد نجحت الشركة في تأهيل 70% من السجناء الذين تم تدريبهم حيث ابتعدوا تماما عن عالم الجريمة وقد أكد لي مديرها أنهم لم يجنوا أية ارباح وان هذه المبادرة جزء من مسؤوليتهم المجتمعية ولكن اذا تم تغطيتها من الاعلام بشكل ايجابي فما المانع.

مثال اخر شاهدته في شركة وضعت خطة لبناء مراكز لإيواء المشردين في المدينة، فقد قامت هذه المؤسسة بعمل يوم مفتوح مبهج ضمن الاجازة الاسبوعية للموظفين وعائلاتهم وبمشاركة جميع المدراء في موقع البناء ويكون الحضور بشكل اختياري، حيث تتم عمليات البناء مثل نقل الاسمنت ورص الطابوق في اسلوب ممتع ومبهج ومن خلال عمل المسابقات بين الموظفين وعائلاتهم وباشراف مهندسين متبرعين من المدينة تتم دعوتهم. وقد قامت المؤسسة بعمل ما يقارب من 30 يوم مفتوح سنويا ولمدة 3 سنوات مما ينتج عنه في النهاية انشاء مبنى لايواء المشردين يستوعب حوالي 50 مشرد ويحميهم على الاقل من زمهرير الشتاء.

هذه بعض الامثلة للمسؤولية المجتمعية التي تقوم بها الشركات المتميزة في اوروبا والتي توفر منهجية متكاملة وخطة استراتيجية للمسؤولية المجتمعية ذات أثر ايجابي واضح وقوي على المجتمع في التزام منها بدورها في خدمة المجتمع الذي رفدها بعوامل النجاح المادي والمعنوي.

أن القطاع الخاص بالدولة بعيد تماما كما نرى نحن المواطنين عن المسؤولية المجتمعية التي تصب بشكل اساسي هنا في الدولة لا في كينيا ونيجيريا، نريد من القطاع الخاص أن يتحلى بالمسؤولية المجتمعية ويقوم بدعم القطاعات التعليمية والاجتماعية والثقافية يدا بيد مع الحكومة.

نريد من البنوك أن تخصص جزءا من ارباحها لتوفير منح أو قروض بنسب فائدة متدنية لذوي الدخل المحدود نريد من الفنادق والمنتجعات ان تخصص ايام في السنة تمنح فيها قاعاتها الضخمة لإقامة اعراس جماعية او عمل محاضرات توعوية للمجتمع، نريد من شركات التأمين ان تتبنى المدارس وتحرص على تزويدها بأحدث الاجهزة التعليمية ودعم الطلبة المتفوقين، نريد من شركات البناء أن تخصص جزء من وقتها الثمين لبناء مساكن للمواطنين، نريد من المصانع العزيزة ان تدعم مشاريع الطلبة في الجامعات وتأخذها نحو حيز الانتاج التجاري، نريد ونريد ونريد فهل تسمعنا هذه الشركات؟

سؤال: هل سيقوم القطاع الخاص بذلك من واقع مسؤوليته المجتمعية أم يجب على الحكومة فرض نظام للضرائب عليه بهدف اجباره على دعم المجتمع؟ لا أعرف الرد ولكني اتركه لكم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق